ابن أبي العز الحنفي

66

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )

قَوْلُهُ : ( قَدِيمٌ بِلَا ابْتِدَاءٍ ، دَائِمٌ بِلَا انْتِهَاءٍ ) . ش : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ } ( 1 ) . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ » . فَقَوْلُ الشَّيْخِ : قَدِيمٌ بِلَا ابْتِدَاءٍ ، دَائِمٌ بِلَا انْتِهَاءٍ ، هُوَ مَعْنَى اسْمِهِ الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ . وَالْعِلْمُ بِثُبُوتِ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ مُسْتَقِرٌّ فِي الْفِطْرَة ، فَإِنَّ الْمَوْجُودَاتِ لَا بُدَّ أَنْ تَنْتَهِيَ إِلَى وَاجِبِ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ ، قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ ، فَأنت تُشَاهِدُ حُدُوثَ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَالْمَعَادِنِ وَحَوَادِثِ الْجَوِّ كَالسَّحَابِ وَالْمَطَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَهَذِهِ الْحَوَادِثُ وَغَيْرُهَا لَيْسَتْ مُمْتَنِعَةً ، فَإِنَّ الْمُمْتَنِعَ لَا يُوجَدُ ، وَلَا وَاجِبَةَ الْوُجُودِ بِنَفْسِهَا ، فَإِنَّ وَاجِبَ الْوُجُودِ بِنَفْسِهِ لَا يَقْبَلُ الْعَدَمَ ، وَهَذِهِ كَانَتْ مَعْدُومَةً ثُمَّ وُجِدَتْ ، فَعَدَمُهَا يَنْفِي وُجُودَهَا ، وَوُجُودُهَا يَنْفِي امْتِنَاعَهَا ، وَمَا كَانَ قَابِلًا لِلْوُجُودِ وَالْعَدَمِ لَمْ يَكُنْ وُجُودُهُ بِنَفْسِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ } ( 2 ) . يَقُولُ سُبْحَانَهُ : أَحَدَثُوا مِنْ غَيْرِ مُحْدِثٍ أَمْ هُمْ أَحْدَثُوا أَنْفُسَهُمْ ؟ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الشَّيْءَ الْمُحْدَثَ لَا يُوجِدُ نَفْسَهُ ، فَالْمُمْكِنُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ لَا يَكُونُ مَوْجُودًا بِنَفْسِهِ ، بَلْ إِنْ حَصَلَ مَا يُوجِدُهُ ، وَإِلَّا كَانَ مَعْدُومًا ، وَكُلُّ مَا أَمْكَنَ وُجُودُهُ بَدَلًا عَنْ عَدَمِهِ ، وَعَدَمُهُ بَدَلًا عَنْ وُجُودِهِ ، فَلَيْسَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ لَازِمٌ [ لَهُ ] ( 3 ) . وَإِذَا تَأَمَّلَ الْفَاضِلُ غَايَةَ مَا يَذْكُرُهُ الْمُتَكَلِّمُونَ وَالْفَلَاسِفَةُ مِنَ الطُّرُقِ الْعَقْلِيَّةِ ، وَجَدَ الصَّوَابَ مِنْهَا ما يَعُودُ إِلَى بَعْضِ مَا ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الطُّرُقِ الْعَقْلِيَّةِ بِأَوضَحِ عِبَارَةٍ وَأَوْجَزِهَا ، وَفِي طُرُقِ الْقُرْآنِ مِنْ تَمَامِ الْبَيَانِ وَالتَّحْقِيقِ مَا لَا يُوجَدُ عِنْدَهُمْ مِثْلُهُ ، قَالَ تَعَالَى : { وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا } ( 4 ) .

--> ( 1 ) سورة الْحَدِيدِ آية : 3 . ( 2 ) سورة الطُّورِ آية : 35 . ( 3 ) لم ترد في الأصل ، والصواب إثباتها كما في سائر النسخ . ن . ( 4 ) سورة الْفُرْقَانِ آية : 33 .